محمد بن جرير الطبري
53
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذكره فإن تطيعوا الله في إجابتكم إياه إذا دعاكم إلى قتال هؤلاء القوم الأولي البأس الشديد ، فتجيبوا إلى قتالهم والجهاد مع المؤمنين يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً يقول : يعطكم الله على إجابتكم إياه إلى حربهم الجنة ، وهي الأجر الحسن . وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يقول : وإن تعصوا ربكم فتدبروا عن طاعته وتخالفوا أمره ، فتتركوا قتال الأولي البأس الشديد إذا دعيتم إلى قتالهم كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يقول : كما عصيتموه في أمره إياكم بالمسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، من قبل أن تدعوا إلى قتال أولي البأس الشديد يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني : وجيعا ، وذلك عذاب النار على عصيانكم إياه ، وترككم جهادهم وقتالهم مع المؤمنين . القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا . . . جَنَّاتٍ تَجْرِي . . . أَلِيماً يقول تعالى ذكره : ليس على الأعمى منكم أيها الناس ضيق ، ولا على الأعرج ضيق ، ولا على المريض ضيق أن يتخلفوا عن الجهاد مع المؤمنين ، وشهود الحرب معهم إذا هم لقواعدوهم ، للعلل التي بهم ، والأسباب التي تمنعهم من شهودها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ قال : هذا كله في الجهاد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ثم عذر الله أهل العذر من الناس ، فقال الجهاد : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ قال : في الجهاد في سبيل الله . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الآية ، يعني في القتال . وقوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول تعالى ذكره : ومن يطع الله ورسوله فيجيب إلى حرب أعداء الله من أهل الشرك ، وإلى القتال مع المؤمنين ابتغاء وجه الله إذا دعي إلى ذلك ، يدخله الله يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار . وَمَنْ يَتَوَلَّ يقول : ومن يعص الله ورسوله ، فيتخلف عن قتال أهل الشرك بالله إذا دعي إليه ، ولم يستجب لدعاء الله ورسوله يعذبه عذابا موجعا ، وذلك عذاب جهنم يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ . . . السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ . . . حَكِيماً يقول تعالى ذكره : لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يعني بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب ، وعلى أن لا يفروا ، ولا يولوهم الدبر تحت الشجرة ، وكانت بيعتهم إياه هنا لك فيما ذكر تحت شجرة . وكان سبب هذه البيعة ما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملإ من قريش ، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء ، فظن أنه قد قتل ، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت ، فبايعوه على ذلك ، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان ، وكان الذين بايعوه هذه البيعة فيما ذكر في قول بعضهم : ألفا وأربع مئة ، وفي قول بعضهم : ألفا وخمس مئة ، وفي قول بعضهم : ألفا وثلاث مئة . ذكر الرواية بما وصفنا من سبب هذه البيعة : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي ، فبعثه إلى قريش بمكة ، وحمله على جمل له يقال له الثعلب ، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له ، وذلك حين نزل الحديبية ، فعقروا به